الخميس , 24 أبريل 2014
الرئيسية » أبحاث و دراسات » سوسيولوجيا الجيش الجزائري ومخاطر التفكك. دراسة أكاديمية. بقلم رياض الصيداوي

سوسيولوجيا الجيش الجزائري ومخاطر التفكك. دراسة أكاديمية. بقلم رياض الصيداوي

تتالت الأحداث متسارعة في الجزائر، مما أربك كثيرا من المتتبعين، خاصة المتابعين والقراء العرب وذلك ناتج أساسا عن قلة المتابعة باللغة العربية لما يحدث في هذا البلد، خاصة قبل أحداث أكتوبر/تشرين الأول 1988 من جهة، و غموض المؤسسة العسكرية ونوعية علاقتها بالعمل السياسي من جهة أخرى0 إن هذا الجيش على عكس كل جيوش العالم لم تصنعه دولة بل هو الذي صنع دولته على حد تعبير المؤرخ الجزائري محمد حربي0 وقبل ذلك صنع ثورة مما أكسبه شرعية تاريخية مميزة0 إن أي فهم وتحليل للأحداث في هذا البلد اليوم، لا بد أن يتما عبر تحليل وفهم المؤسسة العسكرية نفسها.
تبقى المؤسسة العسكرية في دول العالم الثالث بشكل عام وفي دول الوطن العربي بشكل خاص المؤسسة الوحيدة، المنسجمة والهرمية، القادرة ليس فقط على المحافظة على الأنظمة ولكن أيضا على تغييرها من الداخل. إن تجارب استلام العسكر للسلطة التي حدثت في العالم العربي أكبر دليل على هذا الرأي. يمكننا التأكيد على عدم حدوث أي “تغيير ثوري” بمعنى سياسي اجتماعي، في هذه الرقعة من العالم دون المرور عبر المؤسسة العسكرية . إن ما يميز انقلابات الجيوش العربية في مصر سنة 1952 وفي العراق سنة 1958 وفي سوريا سنتي 1961 ثم سنة 1963، وفي اليمن سنة 1962 وفي ليبيا سنة 1969، هو قياداتها الشابة المنحدرة عادة من طبقات متوسطة طمحت إلى الاستيلاء على السلطة وطرد أنظمة تقليدية ملكية أعاقت تطور هذه الطبقة ونزاعاتها التحديثية. لكن الفرق بين هؤلاء الضباط وضباط الجيش الجزائري فرق جلي. حيث يجد الاختلاف جذوره في تاريخ المؤسسة العسكرية الجزائرية نفسها، في علاقتها بجهاز الدولة الذي أنشأته وفي علاقتها بالمجتمع. لا بد من التنبيه مبكرا إلى خصوصية الجيش الجزائري بالمقارنة مع غيره من الجيوش العربية.
يمكننا أن نستعين في تحليل ظاهرة العسكريتاريا بأطروحة فراد ريغز Fred W., Riggs، عندما لا يشاطر رأي الباحثين الذين يشتغلون في ظاهرة الانقلاب العسكري. فهو لا يعتقد، عندما يعتقد الآخرون، أن العسكر “بطبيعة تكوينهم وواجب الخضوع عندهم، نجدهم متعجرفين ومدفوعين بالطموح ليستولوا على السلطة ويطردوا السلطة المدنية” . يرفض هذه الفكرة ويشرح موقفه قائلا : “حسب رأيي، اعتقد أن رؤية الأشياء بهذا الشكل هي رؤية تبسيطية وتخفي الدينامية المؤسساتية للانقلاب العسكري. بداية، ليس الجيش كمؤسسة هو الذي يستولي على السلطة. ذلك أن الانقلابات العسكرية تنظمها مجموعات صغيرة من أعوان الدولة، بضعة ضباط فقط. وبعض أعضاء هذه المجموعات يعبئون في سبيل الانقلاب العسكري وحدات تقع تحت إمرتهم، ولكن في أغلب الأحيان يرفض ذلك الضباط الآخرون. ويتعاون بعض من الموظفين المدنيين مع الضباط بهدف الاستيلاء على السلطة ويشتركون في إدارة البلاد عندما ينجح الانقلاب” . تطبق هذه المقولة بشكل واضح على الجيش الجزائري. إن خصوصية هذا الجيش تكمن في كونه قد خلق الدولة الجزائرية وليس العكس، أي أن الدولة الجزائرية هي التي أنشأت جيشها. تؤكد هذه الفكرة الباحثة الفرنسية ميراي دوتاي Mireille Duteil عندما تقول “بصفة عامة، أراد الجيش في الجزائر أن يكون مالكا للدولة التي صنعها. فهو الشرعية وهو السلطة” . كما يعتقد الباحث الجزائري عبد القادر يفصح بأن الجيش الجزائري “قد فضل دائما الظلام على الضوء. وعمليا، هو الذي فرض وضمن الاختيارات السياسية والاقتصادية الأساسية في البلاد. كذلك، هو الذي فرض كل رؤساء الجزائر المتعاقبين الذين عرفتهم منذ الاستقلال” . ويقول فؤاد الخوري في مجال آخر “إن الجيش العقائدي معد لا لأداء دوره على الحدود فحسب وإنما للمساهمة في بناء المجتمع وتطويره” .
إن السؤال المطروح اليوم هو لماذا لم يتخذ الجيش الجزائري موقفا محايدا إزاء الصراع القائم في البلاد؟ ولماذا لم يخن النظام ويقبل بالجبهة الإسلامية للإنقاذ حاكما جديدا للجزائر؟
لقد أبرز هذا الجيش مدى تضامنه الداخلي في مواجهة تهديدات “الإنقاذ” والجماعات الإسلامية المسلحة. لم يعد سيناريو إيران، حينما تفكك الجيش وقبل بالإمام الخميني زعيما جديدا للبلاد بدلا من الشاه دون أن يبدي مقاومة حقيقية تذكر للقادم الجديد.
تميز موقف الجيش الجزائري في مواجهته للجبهة الإسلامية للإنقاذ بالصلابة والشدة رغم صراعاته الداخلية المتعددة التى اخترقته منذ تأسيسه في أول نوفمبر 1954 . حافظ على وحدته الداخلية وتضامنه العسكري وانضباطه الهرمي رغم تسجيل بعض حالات الفرار منه، خاصة بين سنتي 1992 وسنة 1994. لقد عاش مفارقة صعبة، تكاد تكون مستحيلة لو تعلق الأمر بغيره من الجيوش، وهي كيف يدير صراعاته الداخلية وتناقضات ضباطه دون المساس بوحدته المقدسة في مواجهة عدوه المشترك، أي الجبهة الإسلامية للإنقاذ. حدثت ثنائية وحدة/صراع بشكل مدهش واستمرت منذ أزمة 1992 إلى اليوم.

لنفهم ما يحدث في الجزائر لابد من فهم ما يحدث في الجيش. المؤسسة العسكرية الجزائرية مؤسسة فريدة من نوعها في الوطن العربي وحتى في العالم. يعتقد المتتبعون لتطورات هذه المؤسسة أنها مازالت تعاني إلى اليوم من إرث الماضي البعيد، تحديدا من إرث ثورة التحرير الوطني التي امتدت من الفاتح من نوفمبر /تشرين الثاني 54 إلى 1962.
إن الوضعية التى وصلت إليها الجزائر اليوم هي نتيجة للخلط التاريخي الذي حدث بين السياسي والعسكري وعدم وجود فاصل واضح بينهما.

1- تاريخية الجيش الجزائري

يمكننا التمييز بين خمس مراحل عاشتها المؤسسة العسكرية الجزائرية. تتمثل المرحلة الأولى في حرب التحرير الوطني ودامت من أول نوفمبر /تشرين الثاني 1954 إلى شهر يوليو /تموز 1962. أما الثانية فتتعلق بحكم الرئيس أحمد بن بلا وتمتد من الاستقلال إلى يوم 19 حزيران /يونيو 1965 مع نجاح انقلاب العسكر. وتتميز المرحلة الثالثة الممتدة من 1965 إلى 1978، سنة وفاة بومدين، بهيمنة الجيش على كامل مؤسسات الدولة والمجتمع. أما المرحلة الرابعة فهي مرحلى الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد والتى حكم فيها الجزائر من 1978 إلى إجباره على الاستقالة في يوم 11 يناير 1992. في حين تمتد المرحلة الخامسة منذ ذلك التاريخ إلى اليوم.

أ‌- مرحلة حرب التحرير
يتميز الجيش الجزائري عن كل جيوش العالم بلحظة تأسيسه. فعندما أسس ثوار شباب حزبا سموه جبهة التحرير الوطني، أسسوا معه جيشا سموه جيش التحرير الوطني حيث اختلط العسكري بالسياسي. فالمقاتل عضو في الحزب وكذلك قائده. والمسؤوليات تتراوح بين سياسية وعسكرية حسب الحاجة. نشأت ظاهرة السياسي-العسكري(Le politico-militaire) الذي فسخ كل مسافة بين مسؤولية السياسي ومسؤولية العسكري. لقد حاول عبان رمضان في مؤتمر الصومام في 20 أغسطس 1956 فرض مفهومه لطبيعة الكفاح الجزائري ضد الاستعمار الفرنسي. فأكد مبدئين. أولا : ضرورة تفوق السياسي على العسكري وخضوع الثاني للأول. ثانيا: تفوق الداخل على الخارج، أي أن الأولوية لمن يناضلون داخل التراب الجزائري المحتل وليس خارجه في تونس أو المغرب أو مصر. فشلت محاولة عبان هذه باغتياله من طرف رفاقه في لجنة التنسيق والتنفيذ (CCE) في مراكش في شهر ديسمبر/كانون الأول 1957 وانتهت أطروحة تفضيل السياسي على العسكري بانتصار الجناح العسكري انتصارا نهائيا تواصل إلى اليوم. كما حدثت محاولة ثانية هدفت إلى السيطرة على الجيش من قبل السياسيين المدنيين في مؤتمر طرابلس سنة 1962 عندما أزاح قادة الحكومة الجزائرية المؤقتة قائد هيئة أركان الجيش هواري بومدين وعزلوه بقرار رسمي من منصبه. لكن ضباط الجيش ومساعدي بومدين رفضوا هذا القرار وتشبثوا بقائدهم وأعلنوا تضامنهم الداخلي وارتباطهم بزعيمهم الكاريزمي. مثل هذا الحدث منعرجا حاسما في مسيرة الجزائر السياسية حيث أثبت مدى هيمنة المؤسسة العسكرية على القرار السياسي ومدى تضامنها الداخلي في مواجهة تدخل المدنيين.
إن محاولة فهم سلوك الجيش في هذا البلد تدفعنا إلى البحث والحفر في خصائصه التى تميز بها طيلة سنوات 1954 حتى سنة 1962. تتمثل أهم خصائصه في :
أولا: الأصول السياسية العسكرية لقادته. فهؤلاء لم يتخرجوا من أكاديميات عسكرية ولم يتحصلوا على تكوين احترافي في المجال العسكري. لقد كانوا قبل كل شيئ مناضلين سياسيين صعدوا إلى الجبال لتنظيم ثورة وإدارتها مستخدمين أسلوب حرب العصابات. إن أول جيل أسس جيش التحرير الوطني جاء من المنضمة الخاصة (l’Organisation Spéciale) أما الجيل الثاني فقد وقع انتدابه لدى أوساط الطلبة والتلاميذ. نذكر من بينهم هواري بومدين ثم عبد العزيز بوتفليقة، أحمد مدغري، أحمد شريف..وتميز بصغر سنه الكبير. وفي كلتي الحالتين كان إيمانهما عميقا بأولية من يقاتل على من يفاوض، أي أفضلية العسكري على السياسي. ويمكن تفسير هذا الموقف من خلال عامل مواجهتهم اليومية مع المستعمر وقسوة المعارك التي خاضوها إضافة إلى قسوة الطبيعة نفسها ونقص التموين والأسلحة. كما يفسر هذا الموقف بعامل ثان يكمن في طبيعة الثورة الجزائرية نفسها التى اندلعت على إثر قطيعة تاريخية مع المنهج السلمي وتبني كامل للمنهج العنيف في معركة التحرير حيث اشتدت قناعة مؤسسي جبهة التحرير الوطني وجيشها بأن الاستقلال لن يتحقق إلا عبر الكفاح المسلح، من هنا حدث تثمين لكل ماهو عسكري وتحقير لكل ما هو سياسي.
ثانيا: اندلاع صراع مفتوح بين السياسيين والعسكريين في مؤتمر الصومام سنة 1956. وفشل محاولة عبان رمضان في إخضاع العسكر لسلطة المدنيين بعد اغتياله من قبل رفاقه.
ثالثا: بروز مفارقة تقليدية في التمييز بين خصائص العسكريين والمدنيين. فالعسكر بطبيعة تكوينهم، رغم خصوصية جيش التحرير الوطني الجزائري كجيش تخترقه الجدالات والاختيارات، ينزعون إلى الانضباط أمام أوامر قيادتهم وعلاقاتهم هرمية وليست أفقية. أما السياسيين فقد كانوا في صراع دائم في ما بينهم. تتناقض تحالفاتهم وتتغير حسب تبدل الوضع. كما أن مصالحهم كانت متباينة. في حين كان العسكر، وخاصة قيادة هيئة الأركان، متحدين تنظيميا، يؤمنون نسبيا بالسلطة الهرمية، منضبطين ومطيعين لقائدهم الكاريزمي هواري بومدين. هذا الاختلاف في الخصائص أدى إلى انتصار العسكر على السياسيين. يقول هيغ روبارتس Hugh Roberts في هذا الشأن “كان الجيش هو المنتصر الحقيقي في الصراع على السلطة الذي تم داخل جبهة التحرير الوطني في صيف 1962. لقد خسر سياسي الحكومة المؤقتة المعركة لصالح قائد هيئة أركان الجيش العقيد هواري بومدين. ولم يتمكن الرئيس بن بلا من ترؤس الجزائر المستقلة إلا بفضل دعم العسكر” . تميزت هذه النخبة العسكرية القائدة دوما بمعاداتها الشديدة للمفاوضات المشروطة مع الإدارة الاستعمارية الفرنسية، بسعيها المستمر لفرض رؤيتها الخاصة للصراع، وبتأكيد أهمية استخدام السلاح في مواجهة المستعمر وتحرير البلاد. ولقد وصلت إلى السلطة لأنها مثلت المؤسسة الوحيدة في الثورة الجزائرية التى تمتعت بدقة التنظيم وحسن الانضباط وتجربة الإدارة وحتى استخدام تكنولوجيات الاتصال أو الهندسة أو الإدارة المالية. كانت ببساطة الجهاز البيروقراطي الوحيد القائم في الميدان والقادر على استلام بلد تركته فرنسا في حالة فراغ إداري شامل. أما على المستوى الطبقي، فقد قدمت هذه النخبة نفسها على أساس أنها ممثلة طبقة الفلاحين. واتخذت شعارا لها “الإصلاح الزراعي، تصنيع البلاد والتوزيع العادل للمنتوجات وللثروات” .

ب‌- مرحلة بن بلا
في يوم 4 أغسطس/آب 1962 دخل أحمد بن بلا منتصرا إلى العاصمة الجزائرية تحت حراسة قوات هيئة الأركان. ولم يتأخر كثيرا في تطبيق النموذج الاشتراكي في الجزائر معتمدا على مساعدة مصر الناصرية وبقية الدول الاشتراكية والشيوعية في العالم.
أصدرت الحكومة الجزائرية في شهر أكتوبر /تشرين الأول سنة 1962، وبتشجيع من قيادة الجيش، قرار يلغي كل الاتفاقات التى حدثت قبل الاستقلال ويشرع إنشاء لجان تصرف . يجب ملاحظة أنه قبل سنة 1962 امتلك 22 ألف أروبي 2.7 مليون هكتار من الأراضي الزراعية. أي أن المعدل بلغ 127 هكتار للمالك الواحد. في حين كان هناك 630 ألف مستغل جزائري يشتركون في 7 مليون هكتار، أي 12هكتار لكل عائلة، دون أن ندخل في الحسبان الفلاحين الذين لايمتلكون أصلا آراضي وعددهم كبير. إضافة إلى أن 75% من الآراضي السقوية والخصبة كان يمتلكها المستعمرون الأروبيون. و90% من هذه الآراضي امتلكها 6 آلاف مستوطن .
وكان اتجاه وزير الفلاحة أنئذ عمران أوزغان نحو تأسيس ضيعات كبرى تمتلكها الدولة على الطريقة السوفياتية أو الكوبية. وفي مارس / آذار 1963 دخل “التسيير الذاتي” حيز التنفيذ . إن هذا الانشغال الدائم بالفلاحين والفلاحة يعكس الانتماء العاطفي للقيادة العسكرية لهذه الطبقة. ورغم أن الفريق الحكم يشترك في نفس الأفكار الاشتراكة إلا أن الخلاف سرعان ما دب في صفوفه وعادت قضية صراع السياسيين مع العسكر إلى المواجهة مرة أخرى.

جبهة التحرير الوطني/ الجيش الشعبي الوطني: طبيعة العلاقة
يقول عالم السياسة الجزائري عبد القادر يفصح “عاشت الجزائر نظريا تحت نظام الحزب الواحد. ولكن عمليا، ورغم التغطيات المؤسساتية والإيديولوجية، فإن الجيش ظل العامل المحدد بل المصدر الأول لأمن النظام السياسي” .
وفي المقابل نجد كثيرا من القادة السياسيين التاريخيين للثورة قد احتجوا على سيطرة العسكر وهيمنتهم وأعلنوا رفضهم مبكرا. انتقد محمد بوضياف هذه الهيمنة وقال “إن الجيش الوطني الشعبي، المنغرس في كل الميادين، يتحول تدريجيا إلى جيش تقليدي منقطع كلية عن الجماهير وفارضا على ميزانية الدولة دفع مبالغا مالية ثقيلة، ثقيلة جدا بالنسبة إلى بلد نام يحتاج كثيرا من الادخار حتى لا يسقط تحت سيطرة الاستعمار الجديد..” .
لكن لا بد من التنبيه إلى مسلمة أنه في فترة الرئيس أحمد بن بلا الممتدة من 1962 إلى 1965، يمكننا الحديث عن نوع من تقاسم السلطة بين العسكر والمدنيين. فرئاسة الدولة التى يشغلها بن بلا كانت تمثل كابحا لسطوة النخبة العسكرية التى تقودها وزارة الدفاع ويدير هيمنتها زعيمها هواري بومدينن. كما تمتع حزب جبهة التحرير الوطني بهامش مقبول من الحركة والاستقلالية عن الجيش. لقد تعايشت الأطراف الثلاث لمدة ثلاث سنوات. واشتركوا في اختيار النهج الاشتراكي والعمل على تطبيقه. غير أنه سرعان ما تفكك هذا التعايش وصممت المؤسسة العسكرية على الاستيلاء على كل السلطات دون مشاركة أحد. وقامت في 19 حزيران/يونيو 1965 بانقلاب عسكري وضع حدا لحكم بن بلا وجعل من حزب جبهة التحرير الوطني “جسدا بدون روح” على حد وصف هواري بومدين.
واعتقد بعض المحللين أن انقلاب 19 حزيران / يونيو هو الانقلاب الثاني للجيش بعد انقلاب/تحالف مع بن بلا ضد الحكومة الجزائرية المؤقتة سنة 1962. ويذكرنا فراد ريغز في هذا الموضع بأنه “لا يجب علينا أن ننسى أن العسكر هم في الواقع بيروقراطيين”. ويضيف “تمنعنا الفكرة التقليدية القائلة بأن الجيش لا يمثل جزءا من البيروقرطية وأن الانقلابات العسكرية تدفع بالعسكر إلى السلطة، من إدراك حقيقة الأشياء. وهي معرفة أن كل الموظفين، سواء كانوا عسكرا أو مدنيين لديهم نفس المصالح كأعوان دولة، حيث يعتمد الأمن، والدخل، والمركز الاجتماعي على الحكومة. وفي الأزمات نجدهم مضطرون لدعم المجموعات القادرة على حماية هذه المصالح. إن “الحكومات العسكرية” التى يشكلها مجموعات الضباط تحتوى عادة على موظفين مدنيين سامين وتتمتع بدعم بأعداد كبيرة من أعوان الدولة” .

ت- مرحلة بومدين
أراد الجيش الجزائري الاستحواذ على كل السلطات، عزل الرئيس وسجنه، واحتواء حزب جبهة التحرير الوطني، فنجح في انقلاب 19 حزيران / يونيو 1965. لقد برزت تطلعات العسكر في الحكم منذ سنة 1962 حينما أعلنوا أن الاستقلال تم عبر كفاحهم وأنهم عازمون على بناء دولة عصرية. و”واصل الجيش غرس عقيدة تفوقه على الدولة والمجتمع لدى الضباط الشبان” .
لقد سبق أن اتسعت دائرة كبار ضباط الجيش التى تطالب بتدخلهم وعزل الرئيس أحمد بن بلا. أصبحت تضم إلى جانب مساعدي هواري بومدين المباشرين ضباطا آخرين مثل قائد هيئة الأركان، الطاهر زبيري، قائد المنطقة العسكرية الأولى سعيد عبيد، وضباط مثل أحمد دراية ومحمد صالحح يحياوي وآخرون أصبحوا أعضاء في مجلس الثورة . سيصبح انقلاب 19 حزيران / يونيو 1965 عاملا آخر هاما في عملية تأكيد “أسطورة” تفوق الجيش. إن ما تم نعته ب”التصحيح التاريخي للثورة” سيعطي للجيش موقعا مركزيا في النظام. وسيستحوذ مجلس الثورة المتكون من العسكر ، منذ هذا التاريخ فصاعدا، على كل السلطات . وكان أحمد بن بلا قد ارتكب خطأ فادحا حينما اعتقد أنه قادر عبر مؤسسة الحزب على الحد من سطوة العسكر. لقد قال مرة لبومدين “أقول لك يا أخي العزيز أنك لن تكون شيئا بدون الحزب. وستكون كل شيئ بهذا الحزب” . لكن فيما بعد علق بومدين على فترة بن بلا قائلا : “لم نتحالف معه، بل هو الذي تحالف معنا…بيننا وبينه لا يوجد إلا رابط واحد وهو برنامج طرابلس” . وستبين الأحداث القادمة عبر تاريخ الجزائر أن هيمنة المؤسسة العسكرية على المجتمع والدولة ستكون هيمنة مطلقة.
لقد مثل انقلاب 1965 آخر مرحلة للجيش حتى يستلم كل السلطات نهائيا في الجزائر. كان هواري بومدين هو القائد الكاريزمي لهذه المؤسسة ويحيط به مجموعة من الضباط الشباب المتميزين بانضباطهم ووفائهم وولائهم المطلق لزعيمهم. وعندما شكل بومدين مجلس الثورة ليحكم عبره البلاد رفع شعارا قال فيه “يجب أن تعود السلطة لأولائك القادرين على قيادة الرجال في المعركة” . وحتى يحقق أهدافه كان قد عمل منذ أيام حرب التحرير على تشكيل تكتل داخل الجيش سمي ب”كتلة وجدة” . ففي سنة 1956 كان بومدين قائدا للولاية الخامسة في الثورة، وعمل على انتداب شبابا صغارا معضمهم يدرس في معاهد ثانوية في مدينة وجدة المغربية. كانت تحركه في الأول فكرة أن جيش التحرير هو أيضا تنظيم وترابط دقيق يخضع إلى هرم إداري..مما يعني ضرورة انتداب مراقبين وضباطا يحسنون القراءة وكتابة التقارير. فقام بإعطاء مسؤوليات خطيرة لشباب صغيري السن، بعضهم مازال في سن المراهقة، وهم الذين سيصبحون مشهورين بعد الاستقلال وسيقودون الدولة الجزائرية الفتية. وستطلق عليهم الصحافة العالمية صفة “مجموعة وجدة”. يتشكل هذا التكتل من:
- قايد أحمد : مناضل قديم من الاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري. ولا تربطه بالمجموعة إلا كونه مولودا بالغرب في مدينة تيارت سنة 1921.
- عبد العزيز بوتفليقة: ولد في مدينة تلمسان سنة 1937. كان شابا في سن الثامنة عشر عندما كلفه بومدين بقيادة كتائب الجند شبه الأميين الذين تصل أعمارهم إلى خمسين سنة.
- بلقاسم شريف: يكنى “جمال” ولد سنة 1933 بمدينة وجدة (25 سنة)، لكن عائلته من قسنطينة.
- أحمد مدغري: يكنى “سي حسين”، ولد سنة 1934 (24 سنة) في سعيدة .
- هواري بومدين: اسمه الحقيقي محمد بن إبراهيم بوخروبة. ولد في 23 أغسطس/آب 1923 في قرية صغير تسمى “غالمة” تقع في شرق الجزائر. يتميز عن أغلبية بقية القادة العسكريين والسياسيين بثقافته العربية، حيث درس في جامعة الزيتونة في تونس ثم في جامعة الأزهر في القاهرة. ويتميز أيضا بأصوله الفلاحية بفقر عائلته. عندما انضم إلى جيش التحرير الوطني ساعده عبد الحفيظ بوصوف على الارتقاء بسرعة. كما ساعده الأخضر بن طوبال وفرحات عباس رئيس الحكومة الجزائرية المؤقتة. ووصفه هذا الأخير في تلك الفترة قائلا: “إنه مسلم صادق، ووطني حقيقي، ويتميز خاصة بكونه يعمل كثيرا ويقدر على أن يستفيد أكثر ما يمكن من مساعديه” . وعندما وقعت ترقيته إلى قائد هيئة الأركان سنة 1960 وتحصل على صلاحيات اختيار مساعديه، قام بإنشاء فرق عسكرية منظمة ستكون النواة الأولى للجيش الوطني الشعبي في فترة الاستقلال. وقام بنشر هذه الوحدات الجديدة، المتكونة من 20 ألف مقاتل والمتمتعة بتسليح ثقيل، على كامل الحدود التونسية-الجزائرية. وسميت هذه الفرق “جيش الحدود” . وبعدما تحالف مع بن بلا ضد الحكومة المؤقتة حرص على أن يشغل منصب وزير الدفاع حتى يحكم قبضته على الجيش، المؤسسة الوحيدة المنظمة هرميا والمؤطرة بيروقراطيا القادرة على تسيير شؤون البلاد. كما حرص على إدارة التوازنات داخل القيادة العسكرية لمصلحته مما جعله بحق الرئيس الجزائري الوحيد منذ الاستقلال إلى اليوم الذي استطاع التحكم في هذه المؤسسة والسيطرة عليها. وقام في عهده باستبعاد تدريجي لضباط جيش التحرير الوطني واستبدالهم بضباط آخرين.

الاستبعاد المتكرر للقادة التاريخيين
قدم هواري بومدين نفسه كممثل حقيقي لطبقة الفلاحين الجزائريين، ولفئة الشباب الذين عادة ما يكونوا معربين ذوي تطلعات اشتراكية..وقام لأجل ذلك باستبعاد كل الضباط الذين لا يتفقون معه في الرأي. وقد حاول في هذه المرحلة أن يعطي للجيش صورة مؤسس الاشتراكية في الجزائر وحاميها الأول. ويمكننا أن نرصد في هذه الفترة أيضا بداية الاختفاء التدريجي للنخب السياسية أو العسكرية التي قادت الثورة لصالح قيادات الصف الثاني تارة، أو حتى لضباط تقنوقراط عملوا في صفوف الجيش الفرنسي تارة أخرى. ومن ثمة دخل الجيش في عملية تحول داخلي تدريجي بانفتاحه الكبير على فئة أصحاب الشهادات وما سمي ب”ضباط الجيش الفرنسي”. وتمت عملية الاستبعاد المتصاعد لضباط الثورة حيث علل ذلك بومدين بسبب يكمن في اعتقاده أن ضباط جيش التحرير الوطني لا يتمتعون بقدر كاف من التعليم الذي يخول لهم إدارة القواعد الجوية أو قيادة جيش تقليدي ثقيل يعتمد على الخبرات العلمية والتكنولوجية. فحرب التحرير كانت حرب عصابات، لا تستدعي إلا الإيمان بالكفاح وروح الشهادة. أما الحروب الحديثة فهي تعتمد على المستوى العلمي والتقني للجيوش. وبما أن أغلب ضباط جيش التحرير، خصوصا الجيل الأول منهم، لا يمتلكون مؤهلات علمية تسمح لهم بالاندماج في جيش حديث ثقيل يعتمد على المعدات العصرية فقد كان لا بد من استبعادهم وتعويضهم بضباط آخرين. وحتى يحدث هذا التغيير قام بانتداب كثيف لدى تلاميذ صغار وتوجيههم إلى “مدارس الثورة” التى تتبناهم منذ سنوات الابتدائي حتى التخرج والعمل في الجيش. كما أنشأ كليتين عسكريتين كبيرتين. تسمى الأولى أكاديمة الأسلحة في شرشال. والثانية في برج البحري. لكن أهم عمل قام به بومدين في تغيير المشهد التقليدي للمؤسسة العسكرية الجزائرية تجسد في ترقيته ل”ضباط الجيش الفرنسي” وإعطائهم مسؤوليات تزايدت مع الأيام.

“ضباط الجيش الفرنسي”
برزت مشكلة “ضباط الجيش الفرنسي” لأول مرة أثناء مؤتمر جبهة التحرير الوطني في 17 أبريل/نيسان 1964. حدث في هذا المؤتمر أن تعرض وزير الدفاع هواري بومدين إلى كثير من الانتقادات العنيفة. حيث وقعت مساءلته حول محافظته في الجيش على 200 ضابط جزائري جاؤوا من الجيش الفرنسي، وحيث أن بعضهم يعملون مساعدين مباشرين له، مثل مدير مكتبه العقيد شابو الذي سيصبح لاحقا سكرتيرا عاما لوزارة الدفاع ومن ثمة سيقود الجيش الوطني الشعبي..دافع بومدين عن نفسه وعن رفاقه في الساعة الثلاثة صباحا من يوم 20 أبريل قائلا : “إنني لا أرى فرقا بين موزع بريد، أو موظف أو ضابط. فقبل سنة 1954 كان الجميع يحتاج إلى عمل، ولست أدري لماذا يجب علي الآن أن أتخلى عن مساهمة الذين يتمتعون بكفاءة عسكرية في تدريب جنودنا”. وأضاف “المهم أن هؤلاء الضباط قرروا ذات يوم أن يقوموا بواجبهم”. وتساءل “هل تمتلك الجزائر إطارات حتى تتجاهل أولائك الذين يمتلكون الخبرة؟” . وأضاف بومدين “هل لدينا أكاديميات عسكرية تجعلنا لا نتلجئ إليهم؟”. وقام باستخدامهم كفنيين، ومديرين تقنيين في الجيش .
ورغم أن تشغيل هذه الفئة من الضباط لم ترق كثيرا لمقاتلي جيش التحرير الوطني فإن بومدين واصل إعطائهم وظائف تقنية في البداية مستبعدا إياهم من القيادات الميدانية أو من المسؤوليات السياسية الأمنية. لكن سرعان ما تغير الأمر تدريجيا حيث أصبحوا يشغلون مناصب أكثر حساسية مثل سليمان هوفمان، الضابط السابق الذي شارك في حرب الهند الصينية، قائدا للمدرعات، وعبد القادر شابو مسؤولا على الدعم اللوجيستيكي. وكلما تعالت صيحات الاحتجاج يجيب بومدن : “لقد ظلوا دائما تحت الأوامر، نحن نحتاجهم، وهم قاموا بواجبهم” .
نستعرض الآن ظروف بروز هذه النخبة وترسخها في المؤسسة العسكرية الجزائرية.
لقد انطلق الجيش منذ الاستقلال في عملية تحديث فرقه القتالية حتى يصبح أكثر انسجاما، أكثر انضباطا، أكثر هرمية وأكثر احترافا. وحتى تتحقق هذه الأهداف فتعاد هيكلة الجيش على أسس جديدة، قام بومدين بعمليات انتداب كثيف لدى “ضباط الجيش الفرنسي” وفي الآن نفسه قام باستثمار كبير في بناء الأكاديميات العسكرية لتخريج جيل جديد من الضباط: هم ضباط الجيل الجديد، جيل ما بعد الاستقلال. وفي الوقت نفسه، قام بإرسال إطارات عسكرية جزائرية للتدريب والتعلم في الأكاديميات السوفياتية والعربية (خاصة في القاهرة وبغداد). تمت كل هذه المحاولات في شكل متواز تم فيه إبعاد القادة التاريخيين لجيش التحرير الوطني عبر إعفائهم من وظائفهم القيادية وتوجيههم نحو مواقع سياسية، أو دبلوماسية، أو حتى أعمال تجارية. وكانت عملية تعويضهم التدريجي تحدث عبر ترقية “ضباط الجيش الفرنسي” وإعطائهم مناصب هامة. وحاول بومدين تبرير اختياراته عبر مقولة الضعف العلمي والتقني لضباط جيش التحرير حيث كان أغلبهم من الفلاحين أو العاملين البسطاء غير القادرين اليوم على إدارة جيش عصري مجهز بتجهيزات ثقيلة. فكان لا بد، حسب رأيه، من الالتجاء إلى “ضباط الجيش الفرنسي” لتأطير الجيش. لكن هذه الحجة تخفي في الواقع دافعا آخر متعمدا لدى بومدين. ففي الحقيقة سعى هواري بومدين إلى إبعاد القادة التاريخيين للجيش لأسباب سياسية في الدرجة الأولى, فهو كان يخشاهم لأنهم يمتلكون الشرعية الثورية التاريخية مثله، ومن ثمة يمكنهم مجادلته، أو حتى رفض أوامره والتمرد عليه لطبيعتهم المتمردة التى اكتسبوها من نضالهم الثوري أثناء حرب التحرير. وحتى يحكم قبضته كلية على الجيش كان عليه أن يستبعد مثل هؤلاء الضباط وتعويضهم بآخرين يتميزون بروح الانضباط، بالاحتراف، بعدم التسيس أو بوجود مطامح سياسية إضافة إلى وفائهم وولائهم لبومدين الذي دافع عنهم وأعاد إلهم الاعتبار أمام احتقار زملائهم الذين شاركوا في الثورة منذ بدايتها. احتاجهم واحتاجوه، وظن أن ولاءهم سيكون مطلقا وكان ظنه صحيحا إلى حين وفاته.
لقد اعتقد بومدين أن عدم “تسيس” هؤلاء الضباط يمثل بالنسبة إليه خصلة حميدة. فذلك سيبعدهم عن أية طموحات سياسية في القيادة وبالتالي منافسة زعامته، أو تهديد مؤسسة الرئاسة التي يقودها. إنهم لن يمثلوا خطرا عليه كما حدث مع العقيد طاهر زبيري، قائد أركان الجيش، الذي قام بمحاولة انقلاب عسكري فاشلة سنة 1967. كما اعتقد أن ولاءهم لحكمه الشخصي سيولد استقرارا سياسيا وأمنيا يمكنه من تنفيذ مشاريعه الاشتراكية الطموحة.
وفي المقابل قام بحمايتهم والتنويه بهم ودفعهم إلى المناصب العليا.

مجلس الثورة/الجيش: الهيمنة المطلقة
شكل هواري بومدين “مجلس ثورة” يتكون من 25 عضوا منهم 12 عقيدا في الجيش . وفي نفس الوقت قام الرئيس الجديد “بتحييد قادة المغاوير السابقين بأن زج بهم في أنشطة ومنافع تجارية وأشياءا أخرى” . أصبحت ممارسة السلطة منذ انقلاب 19 حزيران/يونيو 1965 محتكرة من قبل هذا المجلس الجديد فهو “صاحب السلطة السيادية” في الجزائر. وهو الذي يحدد، مؤقتا، السياسية الداخلية والخارجية للبلاد. ويحدد التوجهات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى. كما يشرف على حزب جبهة التحرير الوطني، ويمارس سلطات نواب المؤسسات المنتخبة التى نص عليها دستور 1963 أي مؤسسة الرئاسة والجمعية البرلمانية..وقام مجلس الثورة بتعيين أمانة تنفيذية لجبهة التحرير الوطني، لا تمتلك صلاحيات اتخاذ القرارات حيث يقف دورها عند تحضير أو تنفيذ قرارات مجلس الثورة .
لكن وحدة مجلس قيادة الثورة لم تستمر طويلا حيث بدأت الانشقاقات وعمليات التفكك التى كان محورها يدور عادة حول مدى شخصنة السلطة عند هواري بومدين. ففي سنة 1966 قام بشير بومعزة وأحمد محساس، وهما مدنيان داخل المجلس، باختيار المنفى في باريس ومن هناك نددا بالنظام القائم وقالا عنه أنه “مجرد شرذمة حاكمة دون أي دعم شعبي”. وبعد سنتين، وعلى إثر المحاولة الانقلابية الفاشلة التى قام بها قائد هيئة الأركان العقيد طاهر زبيري، تم استبعاد قادة الولايات السابقين من كل اجتماعات مجلس الثورة وهم: يوسف الخطيب (سي حسان)، ومحند ولد الحاج، وصالح بوبنيدر، وسي عثمان. وبعد عشر سنوات من الانقلاب لم يعد مجلس الثورة يحتوي إلا على 10 أعضاء نشطين . وأصبح عددهم في آخر سنة 1978 وقبل وفاة بومدين بزمن قصير 8 أعضاء. إن اختفاء بعضهم في ظروف غامضة طرح كثيرا من الأسئلة حول الدور الشخصي لبومدين والمخابرات العسكرية في اختفائهم. كتب الصحافي الفرنسي إيف كيان Yves Cuan متسائلا : “حدث كثير من حوادث السيارات، وسقطت بعض طائرات الهيلوكبتر، واختيار المنفى للبعض..هل كانت عملية انفجار طائرة الهيلوكبتر التى كان يستقلها العقيد شابو تخريبا متعمدا أم هي حادثا طبيعيا؟ هل أن موت أحمد مدغري (سي حسين)، وهو واحد من المقربين للرئيس بومدين، في غرفة الاستحمام كان انتحارا أم اغتيالا؟ نفس الشيئ لاختفاءات أخرى لرفاق بومدين لم يعلق عليها إلا ببضعة سطور في الصحف..” ثم يضيف نفس الصحافي مستنتجا “إن الجزائر المستقلة كما ولدت في السرية، ستظل مجتمعا سريا” .
يجب ملاحظة أن هذه الفترة شهدت أيضا فقدان جبهة التحرير الوطني لكل تأثير في الحياة السياسية. كتب المؤرخ الجزائري أحمد رواجعية معلقا في هذا السياق “منذ عزل الرئيس أحمد بن بلا في حزيران/يونيو 1965، وجدت جبهة التحرير الوطني نفسها، مرة أخرى، تخسر بريقها بشكل حاد. لقد قام العقيد بومدين الذي استحوذ على كل السلطات باستبعاده من المشاركة في اتخاذ كل القرارات السياسية الهامة. كما قام باحتقارها ووصفها بأنها “جسدا بدون روح”. وأصبحت من حزب طليعي فجر ثورة إلى مجرد جهاز أعطي لقايد أحمد ليديره..ورغم تهميشها فقد بقي حزب جبهة التحرير الوطني وسيلة بيد سلطة بومدين والعسكريين تستخدم لمصالهم” . ويشترك في نفس التحليل عالم السياسة الجزائري عبد القادر يفصح حينما يقول “لقد عاشت الجزائر في الفترة الممتدة بين سنة 1954 وحتى سنة 1989 نظريا تحت حكم الحزب الواحد، ولكن عمليا، ورغم التمويهات المؤسساتية والإيديولوجية، فإن الجيش كان العامل المحدد، بل المصدر الوحيد للسلطة السياسية” . وبعد الترسيخ النهائي للحكم العسكري في الجزائر سنة 1965 تمتعت “الثقافة العسكرية بموقع المهيمن. وأصبحت تعتبر في الآن نفسه إرثا وطنيا ومكسبا تاريخيا. أصبحت ثقافة مسيطرة تعتمد على ثلاثة مبادئ قائدة : التجمع، العدالة الاجتماعية والأمة” . وفي المقابل يجب أن نحرص على التنبيه إلى أن الجيش الجزائري في هذه الفترة مازال يتمتع بشرعية ثورية تاريخية، تلك الشرعية التي اكتسبها من حرب التحرير كما يتمتع بنوع من الإجماع النسبي لدى الشعب الجزائري الذي لا يمنع العسكر من ممارسة السلطة أو لعب أدوارا عسكرية. بل لقد التزم الجيش بتحديث البلد اقتصاديا وبتنمية مقدرات الأمة.

التزام الجيش الوطني الشعبي بمشاريع التنمية
منذ استلامه السلطة كرئيس للجمهورية الجزائرية بين العقيد هواري بومدين موقع المؤسسة العسكرية بالنسبة إلى الدولة والمجتمع وقال “إن السؤال الذي يطرح اليوم يتمثل في معرفة هل يمكننا أن نتحدث عن الاشتراكية ونتجاهل في الآن نفسه الجيش؟ (..) شخصيا، أنا مقتنع، واقتناعي يعتمد على تحليل موضوعي وتاريخي، أنه خطأ كبير التفكير في تطبيق الاشتراكية وتنفيذ الحلول وفي الآن نفسه نتجاهل القوات المسلحة” . ومن ثمة سيرتبط الجيش بكل مساعي التنمية الجزائرية من سنة 1967 إلى سنة 1978. وسينفذ العسكر المشاريع الاقتصادية الكبرى مثل تعمير الصحراء وإنشاء المساحات الخضراء. لقد شارك 10 آلاف جندي وضابط في هذه المشاريع . كما ساهم العسكر في الثورة الزراعية. وحسب الفلاحين، فالجيش هو الذي كان يسقي القرى الفلاحية . صرح بومدين مرة في هذا السياق “سنقوم بترقية كل الكوادر التي أثبتت مدى التزامها في كل مكان من البلاد. إن ما نطلبه اليوم من الكوادر هو الكفاءة، النزاهة، والالتزام بعملية تطبيق الاشتراكية” . يقول فؤاد الخوري بشكل عام في هذا السياق “..ويظهر أن استمرار التغييرات التي يحدثها العسكر في المجتمع لا يتوقف فقط على أهواء القادة إنما على تجاوب الجيش والشعب معهما. هذا يدل على أن الانقلاب الحدث، وإن بدأ بشلة من الضباط، فإنه قد يؤثر في تنظيم المجتمع وقواعده السياسية والاقتصادية العامة. قد يحدث الانقلاب تغييرات وتبدلات تاريخية يصعب الرجوع عنها فيما بعد” .

الاختيار الاشتراكي
لقد أكد بومدين الخيار الاشتراكي منذ 19 حزيران /يونيو 1965. لقد تأثر، مثله مثل رفاقه، بالظروف الدولية المحيطة والمتميزة بهيمنة الإيديولوجيا الاشتراكية على بقاع كثيرة من العالم. ويجب التأكييد أيضا على مدى مساعدة الدول الشيوعية والبلدان الاشتراكية بمن فيها مصر الناصرية للثورة الجزائرية. لقد شجع جميعهم الجزائر المستقلة على انتهاج النهج الاشتراكي. كما يمكننا إضافة عامل آخر يتمثل في انتماء الرئيس هواري بومدين إلى طبقة الفلاحين واعتزازه الدائم بهذا الانتماء دفعه إلى التشبث بالخيار الاشتراكي. أما العامل الثالث فيجسده انتصار الشق الاشتراكي في الثورة على الشق الليبيرالي منذ هزيمة الحكومة الجزائرية المؤقتة سنة 1962. شمل التطبيق الاشتراكي البومديني جانبين هامين في التنمية الاقتصادية. الأول يتعلق بالفلاحة وسمي بالثورة الزراعية. أما الثاني فيتعلق بالصناعة وسمي بالصناعة التصنيعية. واستفاد من تدفق الريع النفطي في الميدانين الاثنين.

الصناعة التصنيعية والثورة الزراعية
ارتكز المجهود الاقتصادي في العهد البومديني على تحقيق هدفين. الهدف الأول يسعى إلى تكثيف استغلال قطاع المحروقات والبحث عن أسواق جديدة. الهدف الثاني يسعى إلى تصنيع مكثف للبلاد. حيث تم وضع أسس الصناعة الثقيلة مستفيدين من مداخيل الريع النفطي ومساعدة الدول الاشتراكية. واتخذت في هذا الصدد سلسلة إجراءات بين سنتي 1966 وسنة 1971 مكنت الدولة من مراقبة أو الإشراف على الأنشطة البنكية ، الصناعية، وقطاع المعادن والمحروقات. وأعطت الدولة الشركات المؤممة إلى حوالي خمسين شركة وطنية، حيث برزت شركتا صوناتراك (الشركة الوطنية للمحروقات) وشركة S.N.S. (شركة المعادن) كإحدى أكبر الشركات التي أدارت الاقتصاد الجزائري .
إن محور عملية التصنيع الجزائرية اعتمد على المشروع الأساسي الذي سمي بالصناعة التصنيعية Industrie industrialisante وهو مشروع مستوحى من نظرية الاقتصادي الفرنسي دستان دو بارنيس Destane de Bernis. يعتقد هذا الأخير أن سرعة التصنيع تعتمد على إنشاء صناعات قادرة على زيادة انتاجية القطاعات الأخرى. وتتمثل هذه الصناعات في صناعات الحديد والصلب، في الصناعات الميكانيكية، في الصناعات الكيميائية، وفي الصناعات الإليكتروميكانيكية. وحتى تقوم هذه الصناعات بدور تصنيع البلاد، يجب عليها أن تكون قادرة على تأطير الاقتصاد والقيام بعملية التوسيع في اتجاه أنشطة أخرى مثل النشاط الفلاحي الصناعي أو النشاط الفلاحي، أو التجارة، أو مواد الاستهلاك أو مواد التجهيز والانتاج. وكان الهدف من هذا المشروع، الذي يمكن نعته بالمشروع التقنوقراطي، هو الاستخدام المكثف لآخر إنتاجات التقنية المتقدمة في العالم بهدف تصنيع سريع للجزائر وتحويلها إلى بلد مصدر للمنتوجات الصناعية .

أما على الصعيد الفلاحي، فقد أعلن بومدين “الثورة الزراعية” في ربيع سنة 1974. وستمس مباشرة قطاع ملاك الآراضي، حيث وقعت منذ بداية عمليات التأميم سلسلة من الاضطرابات المضادة “للثورة الزراعية” والتي انتشرت في كثير من أنحاء البلاد. وطرح بومدين على نفسه فكرة كيف يمكنه حماية “المكتسبات الاشتراكية”. وكانت الإجابة تمكن في أن الجيش هو الضامن الأول لتطبيق الاشتراكية في الجزائر حسب الدستور. وكان الغطاء المتبع هو استخدام أسلوب دولة التعبئة الجماهيرية The mass mobilization State التي اعتمدت اعتمادا كليا على البيروقراطية .

يجب ملاحظة أن النهج الاشتراكي للرئيس هواري بومدين قد استخدم الأساليب القمعية واعتمد على جهاز مخابراته الشهير المسمى ب”الأمن العسكري” (La Sécurité Militaire) أكثر من اعتماده على جماهير منظمة وواعية ومنتخبة ديموقراطيا. ورغم التزامه ب”طبقة الفلاحين” واعتباره المدافع الأول عنها فإن نظامه كان في الحقيقة نظاما يجمع بين سلطته الفردية وسلطة المؤسسة العسكرية التي قمعت كل من عارض مشاريعه “الاشتراكية” قمعا أمنيا مباشرا. لقد قام الأمن العسكري باختراق واسع لكل القطاعات الاقتصادية والاجتماعية وحتى الثقافية في البلاد. وأنشأ لأجل ذلك مكاتب استخبارات ومراقبة داخل كل الشركات والمؤسسات في الجزائر. وكان أعوان الأمن المسؤولون عن هذه المكاتب يتمتعون بصلاحيات وسلطات واسعة. فهم يشاركون، مثلا، في مجالس الإدارة ، بل يشاركون حتى في المجالس العلمية في الجامعات .
كما يجب ملاحظة أن اشتراكية بومدين كانت اشتراكية “شعبوية” لم تعتمد على نظريات اشتراكية حقيقية وواضحة المعالم. وحتى الدستور الجزائري الذي نص على أن الجيش هو الضامن الرئيسي لتطبيق الاشتراكية، لم يجد صدى كبيرا في الواقع حيث لم يكن كل الضباط يؤمنون بالاشتراكية. إن الضامن الوحيد لاستمرار هذا النهج هو بومدين نفسه، وبضعة ضباط عقائديين منحدرين من جيش التحرير الوطني أو بعض ضباط جيل الاستقلال الشباب الذين دعموا هذا النهج. ولأجل هذه الأسباب لم يكن من الممكن استمرار هذا التناقض بين دستور اشتراكي وقيادة عسكرية في معظمها غير اشتراكية.

الجيش / الإيديولوجيا والثقافة
على الصعيد الإيديولوجي الثقافي، لم يتجاهل بومدين ثقافته الأصلية المتشبعة بالروح العربية الإسلامية. وكان إيمانه راسخا بأن إزالة هيمنة اللغة الفرنسية على الشعب الجزائري هو طريق الاستقلال الوطني الحقيقي، فقام بإعلان حملة تعريب واسعة مست كل الميادين، وكلف زميله في مجلس الثورة محمد صالح اليحياوي بتنفيذ حملة التعريب وأعطاه وزارة التريبة والتعليم.
واعتقد بومدين أن الدين الإسلامي مثله مثل اللغة العربية من المكونات الأساسية للشخصية الجزائرية وهويتها. وكان يلح أحيانا ويفرض أحيانا أخرى على إطارات الدولة استخدام اللغة العربية. وحققت العربية في ظرف 10 سنوات من حكمه نتائج باهرة .
في هذه الفترة، يمكننا وصف إيديولوجية الجيش الرسمية بكونها خليطا بين النزعة العربية الإسلامية من جهة والاشتراكية المحلية من جهة أخرى. سعت هذه الأيديولوجيا في إطار شعبوي إلى إحداث عملية تصالح بين تراث الماضي ومتطلبات الحداثة والمعاصرة. وكان من السهل الربط بين الأصول الاجتماعية للقائد هواري بومدين وترؤسه للجيش مع الخيارات الاشتراكية الكبرى التي اتخذت وطبقت في الجزائر. لكن المشكل الذي سيحدث في المستقبل يكمن في أن أغلبية ضباط الجيش لم تكن لهم علاقات حقيقية بالأيديولوجيا الاشتراكية، خاصة “ضباط الجيش الفرنسي” الذين حافظوا سرا على نزعة فرنكفونية لغويا وليبيرالية اقتصاديا. وحينما سيقوى نفوذهم في الجيش في عهد الشاذلي بن جديد ليصلوا إلى قمة القيادة، فإنهم سيشجعون عملية التخلي عن الإرث الاشتراكي البومديني.

ث- مرحلة الشاذلي بن جديد
توفي الرئيس هواري بومدين يوم 27 ديسمبر/كانون الأول 1978. وتم تعيين العقيد الشاذلي بن جديد خليفة له على رأس الدولة الجزائرية. وكان هناك بينهما اختلافا عميقا في الأسلوب ومنهج الحكم يعود أصلا إلى طريقة وصول كل منهما إلى السلطة. فبومدين وصل إلى السلطة في الجزائر عبر القوة لأنه كان القائد الحقيقي، وبدون منازع، للمؤسسة العسكرية. أما الرئيس الشاذلي بن جديد فإن تعيينه رئيسا للدولة حدث لأن الضباط الكبار رغبوا في تعيينه ضد المرشحين البارزين آنئذ: وزير الخارجية عبد العزيز بوتفليقة ومدير جبهة التحرير الوطني محمد صالح اليحياوي. وكانت تعلتهم أنهم انتقوا أكبر الضباط سنا وأرفعهم رتبة عسكرية للحكم. وسرعان ما حدثت عمليات تصفيات سياسية وعسكرية على نطاق واسع استهدفت التيار البومديني وأقطاب الاشتراكية مثل بوتفليقة أو يحياوي او ضباط جيش التحرير الوطني..وقام الشاذلي بن جديد في الآن نفسه بعملية ترقيات في صفوف “ضباط الجيش الفرنسي” وب”شراء” ولاءات الضباط الآخرين حيث أنشأ قسم “الخدمة الاجتماعية في الجيش” الذي عمل على توزيع أراضي وشقق على الضباط بأسعار رمزية. كما أعطيت لهم قروضا مالية ضخمة وميسرة. إضافة إلى سهولة تمتعهم واستخدامهم لمواد وآلات البناء التابعة للجيش. وأصبحت ميزانيات الثكنات تستخدم لمصالح الضباط الشخصية، وبعضها وقع الاستيلاء عليها من قبل بعض الضباط. وأعلن عن بداية إنشاء ثكنات عسكرية في المنطقة الثانية، الثالثة والخامسة منذ بداية الثمانينات، لكن لم ينجز منها إلى حدود 1992 سوى 40% وتوقفت لأن الصناديق كانت فارغة…وبعض المجندين الاحتياط كانوا يستخدمون كخدم في شقق كبار الضباط… ولم يتحرك أحد ضد اختلاس أموال الجيش أو حتى التنديد بها . وفي الآن نفسه قام الرئيس الجديد الشاذلي بن جديد، تزامنا مع استبعاد الضباط والسياسيين البومدينين، بانتهاج سياسة تحرير الاقتصاد والحد من المنجزات الاشتراكية والتخلي التدريجي عنها.
لنذكر أن انتصار تحالف الجيش / بن بلا سنة 1962 مثل انتصارا للاتجاه الاشتراكي ضد “التحالف الليبرلي”. قال عنه الرئيس السابق أحمد بن بلا “إن الأيديولوجيا الاشتراكية تجيب بشكل عميق على تطلعاتنا نحو حياة كريمة تسودها العدالة الاجتماعية، كما تجيب على متطلباتنا في التقدم في كافة الميادين” . وقال بعده هواري بومدين “لم نقم بالثورة حتى نصبح خماسة لدى الملاك الجزائريين” . لنذكر أيضا أن الليبيراليين ردوا الفعل مبكرا ضد تطبيق النهج الاشتراكي، سواء كان الأمر في عهد بن بلا أو في عهد بومدين. كتب فرحات عباس رئيس أول حكومة مؤقتة للجمهورية الجزائرية قائلا “تعد الاشتراكية معطى جديدا أضيف لبيان أول نوفمبر (1954). حيث لم يتعرض إلى ذكرها أحد طيلة سنوات حرب التحرير” . وأضاف ساخرا “إن سلوك الجمهورية الجزائرية يشبه سلوك امرأة زانية. متزوجة رسميا وعلنا بالإسلام، في حين تنام سرا في فراش ستالين” .

يجب ملاحظة أن هزيمة التيار الليبيرالي كانت هزيمة مؤقتة. حيث سيقوم بتنظيم نفسه في عهد الرئيس الجديد الشاذلي بن جديد. وسيستفيد من الظروف الدولية المواتية التي تميزت بانكماش الاتحاد السوفياتي والكتلة الشيوعية وبداية انحطاطهما. وسينجح في معركته الجديدة ضد بقايا الاشتراكيين وسينسج علاقات واسعة ومتينة مع رموز الرأسمالية الدوليين كالبنك العالمي وصندوق النقد الدولي. أصبحت الاشتراكية في أواخر حكم الرئيس الشاذلي بن جديدا إرثا ثقيلا من الماضي سيتخلص منه كليا مع الذين تولوا الحكم بعده.
قام الرئيس الشاذلي بن جديد بحملة خصخصة وبيع للقطاع العام بشكل تدريجي في المرحلة الأولى من حكمه ثم بشكل متسارع في أواخر الثمانينات. وشجعته في مسعاه الجديد طبقة الأثرياء الصاعدة الي استفادت بطرق ملتوية من الريع النفطي ومن احتكار التوريد. أما على مستوى الجيش فقد نجح بن جديد في استبعاد من تبقى من ضباط جيش التحرير الوطني الذين شاركوا في الثورة والمتميزين باتجاهاتهم العربية الإسلامية والاشتراكية، وتعويضهم بضباط الجيش الفرنسي. كما أبعد القيادات الاشتراكية في جبهة التحرير الوطني مثل مدير الحزب محمد شريف مساعدية ومناضلين آخرين. أنتجت هذه المتغيرات الاقتصادية الاجتماعية نتائج وخيمة على الاقتصاد الجزائري. حيث انهارت العملة الوطنية (الدينار) وتزايد حجم الديون، وتمزقت الطبقة المتوسطة وتم تفقيرها كما مست الرشوة والفساد قطاعات واسعة في المجتمع والدولة..وهو ما أدى بالبلاد إلى أزمة شاملة. تلخص الأزمة الاقتصادية عبر الأرقام التالية: تزايد حجم فوائد الديون مثلا من 4 مليار دولار سنة 1980 إلى 5 مليار دولار سنة 1986 إلى 5.4 مليار سنة 1987 إلى 8.5 مليار سنة 1988. وانتقل حجم الدين الكلي من 15 مليار دولار سنة 1985 إلى 24 مليار دولار سنة 1990. وبلغ حجم البطالة حسب الأرقام الرسمية 22% من مجموع اليد العاملة .
استحوذ “ضباط الجيش الفرنسي” في خضم هذه التحولات المجتمعية والانكسار الطبقي على مواقع شديدة الحساسية في الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية. لقد لعبوا أدوارا متعددة. فهم ساهموا في إيصال الشاذلي بن جديد، المعروف باتجاهه الليبرالي، إلى الرئاسة وفي إبعاد المرشحين المدنيين المخلصين لسياسة بومدين، أي وزير الخارجية عبد العزيز بوتفليقة والمكلف بإدارة الحزب محمد صالح يحياوي. ثم شاركوا في عمليات الإبعاد المنهجي للقيادات البومدينية في كافة القطاعات. وفي سنة 1992، سنة إجبار بن جديد على الاستقالة، نجدهم على رأس المواقع التالية: خالد نزار وزيرا للدفاع، العربي بلخير وزيرا للداخلية، محمد العماري أصبح قائدا لهيئة أركان الجيش، محمد التواتي قائدا لجيش البر، محمد مدين المكني سي توفيق رئيسا لجهاز المخابرات العسكرية. لقد نجحوا، إضافة لحوالي 180 ضابطا مواليا، في عزل الرئيس بن جديد الذي يبدو أنه حاول، متأخرا، الحد من نفوذهم بربطه صلات مع قيادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ وبإعرابه عن استعداده لمشاركتها الحكم على حساب المؤسسة العسكرية. لقد تحركت مجموعة الضباط هذه بسرعة وبنجاعة مدهشة بعزلها للرئيس وبإلغاء الدور الثاني من الانتخابات التشريعية وبشن حملة اعتقالات واسعة النطاق ضد قيادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ وإطاراتها الوسطى. يؤكد جورج جوفاي Georges Joffé أهمية دور “ضباط الجيش الفرنسي” في إدارة الأزمة منذ سنة 1992. ويقول “أولا، أصبح الجيش الآن مسؤولا عن الأمن، وهو ما لم يكن شغله في الماضي. ثانيا، كثير من الضباط الذين تولوا القيادة جاؤوا من مجموعة “ضباط الجيش الفرنسي”، ولديهم اتصالات جيدة مع فرنسا..ثالثا، على المستوى الشعبي كان ينظر إليهم على اعتبار أنهم جزء من المونوكلاتورا، ومن حزب فرنسا المرتبط بالمافيا” .

2- مخاطر الخيانة أو التفكك
حدثت تغيرات عميقة في المؤسسة العسكرية هدفت إلى تصعيد الضباط الأكثر عداءا للحركة الإسلامية. حيث تمت ترقية اللواء محمد العماري، ليصبح قائدا لهيئة الأركان، واللواء محمد التواتي قائدا لجيش البر..وتمت في نفس الفترة إحالة مجموعة من الضباط الكبار على التقاعد وترقية بعض الضباط الشباب . لقد شكلت هذه المجموعة ما سماه البعض لاحقا ب”الاستئصاليين” الذين يرفضون محاولات الحوار مع الحزب المحظور. وفي مقابل هذه المجموعة، برز اتجاه ثاني رغب في الحوار وإجراء عملية مصالحة وطنية قاده خاصة اللواء اليمين زروال وزير الدفاع ورئيس الدولة بمعية مستشاره اللواء محمد بتشين، قائد الأمن العسكري سابقا، واللواء الطيب الدراجي..ومن ثمة برز على مستوى المؤسسة العسكرية ما يمكنه تسميته بثنائية أو مفارقة “وحدة / صراع”.

أ‌- الجيش الجزائري : المخاطر الداخلية
يجب توضيح أن أكبر انقسام حاد شهدته المؤسسة العسكرية الجزائرية طيلة السنوات السبع الأخيرة دار حول الموقف من الحوار مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ أو استئصالها. لقد بدأت المحاولات الأولى الحوارية منذ سنة 1993.

استئصاليون / محاورون
يقول الباحث الجزائري سعيد بولعراس أن “تورط الجيش في حرب طويلة ضد الإسلاميين المسلحين، تحمل في طياتها مخاطر بالغة تهدد وحدته” . حيث يوجد خطر الصراع بين السياسيين (الجيل القديم) والتقنيين (الجيل الشاب). كما توجد صراعات أخرى خفية في الجيش لا تعرفها الطبقة السياسية . كما أننا نوجد في موقف يصعب علينا فيه تحديد عدد الأجنحة وأعضائها ومواقفها الحقيقية بدقة. فالجيش الجزائري تميز تاريخيا بالسرية والكتمان اللذان طبعا نشأته من أيام الثورة إلى اليوم. ولكن من الممكن إبراز صراع بارز المعالم حدث بين الرئيس اليمين زروال من جهة وقائد هيئة الأركان اللواء محمد العماري من جهة أخرى. فالأول اعتبر من أنصار الحوار وإيجاد حل سياسي للأزمة متمتعا بسمعة الشرعية التاريخية التي اكتسبها من مشاركته في حرب التحرير الوطني. وازدادت شرعيته بنجاحه في الانتخابات الرئاسية التي جرت سنة 1995. أما الثاني، فإنه يعتمد على موقعه القوي كقائد لهيئة الأركان وكقائد أول للفرق المشتركة العملياتية المكلفة بمحاربة الإسلام المسلح. إضافة إلى مؤازرة “ضباط الجيش الفرنسي” له ويتحدث بعض المسؤولين الجزائريين السابقين عن دعم فرنسي مباشر له . إن تعدد الفاعلين السياسيين وتناقض رؤاهم عقد أكثر آلية التعامل مع الإسلام المسلح وهدد أكثر مركزية القرار الجزائري على مستوى رئاسة الدولة من ناحية وقيادة الجيش من ناحية ثانية. ويعتبر الباحث الجزائري سعيد بولعراس أن الرئيس زروال “يتردد بين أن ينتهج أسلوب إعادة تنظيم الشبكات والأجهزة المتناقضة فيما بينها أو أن يفضل تكوين شبكته الخاصة من خلال فريق عمل يتجاوز في الوقت نفسه أقسام إدارة الإرشاد والأمن (الأمن العسكري سابقا)، والدرك الوطني، والشرطة حتي يوسع من هامش مناوراته” . لقد تمحور أول انقسام حاد بين محاورين واستئصاليين بين رئاسة الدولة ووزير دفاعها من جهة وقيادة الأركان من جهة ثانية وهو ما هدد الوحدة التاريخية للمؤسسة العسكرية.
رغم أنه من الصعب عمليا تقسيم الأجنحة التي تخترق الجيش الجزائري تقسيما واضحا، بسبب السرية والكتمان المحيطان به وتموج هذه الصراعات وتغير التحالفات، فإنه من الممكن حصرها مبدئيا في محورين: الأول يمكن تسميته محور الرئيس اليمين زروال والثاني محور اللواء محمد العماري.

محاولات اليمين زروال
يعتقد عالم الاجتماع الجزائري لهواري عدي أن مكافحة الإرهاب الميدانية لا تندرج ضمن صلاحيات الرئيس اليمين زروال. كما يضيف أن الجيش “طلب من الرئيس القيام بعمليات التفاوض مع الإسلاميين لكن دون أي تجاوز للخطوط الحمراء التي وضعها له” . وقد انتشرت هذه الأطروحة لدى كثير من المثقفين الجزائريين والغربيين. لقد أكد مثلا الفرنسي برينو كاليس دو ساليس Bruno Callies de Salies على وجود صراع مفتوح بين أجنحة داخل الجيش حول إمكانية الوصول إلى اتفاق سياسي مع الإسلاميين. فمن جهة يوجد جناح يعتقد بضرورة استئصال نهائي للظاهرة الإسلامية وترسيخ دعائم دولة سلطوية. ويمثل اللواء محمد العماري هذا الجناح. ومن جهة ثانية يضع نفس الباحث اللواء اليمين زروال ووزيره المستشار محمد بتشين واللواء الطيب الدراجي في خانة الجناح المؤيد لحوار مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ وإيجاد حل سياسي للأزمة . كما يعتقد كاليس دو ساليس بوجود جناح ثالث يتزعمه قائد الأمن العسكري اللواء محمد مدين (سي توفيق)، حيث يسعى هذا الجناح إلى إدماج مقاتلي جيش الإنقاذ الذين التزموا هدنة مع النظام في الجيش الوطني الشعبي برتب مختلفة .
حاول الرئيس اليمين زروال تغيير موازين القوي لصالح جناحه. فمنذ وصوله إلى الرئاسة سنة 1994 عمل على إحداث التغييرات التالية:
- في 6 مايو / أيار 1994 حدثت تغييرات هامة في السلم الهرمي للمؤسسة العسكرية. تغير 5 قادة للنواحي العسكرية من أصل 6. وكانت هذه التغييرات لصالح الضباط الجزائريين الذين تكونوا في المدارس الجزائرية، أي جيل الاستقلال. كما أن معدل أعمارهم يتراوح بين 45 و50 سنة. يعلق سعيد بولعراس على هذه التحولات قائلا “لئن بدا ظاهريا أن هذه التغييرات جاءت نتيجة انتهاج إستراتيجية “تشبيب” الجيش، فإنها لا تخفي اعتبارات وحسابات سياسية. منها بحث زروال عن وسائل تساعده في سياسته الهادفة إلى تحقيق ملامح المرحلة الانتقالية” .
- في نفس السياق، أمضى 8 جنرالات متقاعدين (من قدماء جيش التحرير الوطني) إضافة إلى حوالي 40 من الضباط العاملين نداءا في أواخر شهر مارس / أذار 1995 موجها إلى الرئيس اليمين زروال يطالبونه فيه فتح حوار والقيام بعمليات تفاوض مع الحركات الإسلامية .
- وفي بداية شهر مايو / أيار 1996، أحيل اللواء خالد نزار (المسؤول الأول على عمليتي تنحية بن جديد ووقف المسار الانتخابي) على التقاعد رسميا حيث لم تعد له أية وظيفة في الجيش .
- وفي بداية شهر حزيران / يونيو أحيل 7 جنرالات على التقاعد وهم: محمد غنيم، السكرتير العام لوزارة الدفاع؛ عباس غزيل، القائد العام للدرك الوطني؛ عبد الرزاق تطواني، مدير الأمن الخارجي؛ عبد الحميد تاغيت، المفتش العام لوزارة الدفاع؛ محمد التواتي، قائد جيش البر؛ الطيب الدراجي، مستشار وزارة الدفاع .

فشلت محاولات زروال في السيطرة على المؤسسة العسكرية التي أجبرته على الاستقالة المبكرة بطريقة بارعة لم تحرك فيها الدبابات. حيث شنت حملة انتقادات عنيفة على مساعده الأيمن اللواء محمد بتشين ثم تقريبا كل مساعديه وفي بعض الأحيان مسته شخصيا. لقد قامت الصحف الفرنكفونية التابعة لهيئة الأركان وخاصة صحيفة “الوطن” طيلة صيف 1998 بتنظيم هذه الحملة المنهجية. استقال الرئيس اليمين زروال وجرت انتخابات رئاسية في 15 أبريل 1999 فاز فيها السيد عبد العزيز بوتفليقة.

صرا ع الأجيال
لا بد من التنبيه أن قيادة هذا الجيش تتميز بكونها قيادة جماعية (collegial commandment)لا تخضع لمزاج أو سلطة أي فرد. وهو اليوم جيش تخترقه ثلاثة أجيال مختلفة الأصول، متباينة التطلعات.
- الجيل الاول يمثله ضباط جيش التحرير، الذين يكاد وجودهم ينعدم بفعل الابعاد والتقاعد. يعد الرئيس السابق اليمين زروال أبرز هؤلاء الي جانب مساعده الجنرال محمد بتشين…
- الجيل الثاني يمثله ضباط “الجيش الفرنسي”، وهم الأكثر حماسا من أجل القضاء علي الاسلاميين عسكريا، لكنهم سيفقدون مواقعهم علي أقصي تقدير بعد خمس سنوات بفعل السن والتقاعد.
- الجيل الثالث يتكون من الضباط الشباب الذين لم يعتمدوا في ارتقائهم علي شرعية المشاركة في حرب التحرير، ولم يعملوا داخل الجيش الفرنسي، وانما أثبتوا جدارتهم من خلال كفاءتهم العلمية وعملهم الدؤوب، وتعلموا وتدربوا في الأكاديميات العسكرية الجزائرية .

” يعتبرالجيش الجزائري نفسه امتداد للثورة رغم أن قيادته الحالية تمثل الجيل الثاني. فالجيل القيادي الأول هو الذي أنجز الثورة ويتميز بأصوله الفلاحية، بتسيسه الكبير، بشرعيته الثورية كمحرر للبلاد ومؤسس دولة الجزائر الحديثة. يمثل الرئيس الراحل هواري بومدين هذا الجيل أحسن تمثيل، فهو الذي أوصله لرئاسة الدولة في انقلاب 19 حزيران (يونية) 1965. وهو الذي أزاح من تبقى من سياسيين كانوا يحكمون ظاهريا البلاد. بومدين، الرجل الوحيد الذي جمع بين السلطة السياسية والسلطة العسكرية في يد واحدة، قام تدريجيا بإزاحة رفاقه في السلاح وتعويضهم بفئة جديدة من الضباط هي ما يعرف اليوم ب”ضباط الجيش الفرنسي”. برر بومدين سياسته على أساس أن أغلب ضباط جيش التحرير الوطني كانوا من أشباه الأميين وفي أحسن الأحوال لم يكن في مقدورهم استيعاب التقنيات العسكرية الحديثة. فالعقيد الذي خاض أشرس الحروب في الجبال والمغاوير ضد القوات الاستعمارية الفرنسية منتهجا أسلوب حرب العصابات لا يمكنه الآن، مثلا، إدارة قاعدة جوية أو حرب إليكترونية في إطار جيش حديث تقليدي. كان لا بد من تعويض هؤلاء الضباط بآخرين. واستقر الأمر على اختيار الضباط الجزائريين الذين عملوا في الجيش الفرنسي والتحقوا بالثورة في آخر أيامها أو لم يلتحقوا بها أبدا. وأعلن بومدين أن دورهم لن يتجاوز المسائل التقنية أما القيادة السياسية للجيش فستبقى في أيدي من تبقى من ضباط الثورة. اختلف الأمر مع الشاذلي بن جديد، حيث أوكل لهم الكثير من المناصب القيادية التى خولت لهم التحكم في الجيش. والغريب في الأمر أن هؤلاء الضباط هم أنفسهم الذين انقلبوا عليه وأجبروه على الاستقالة. سوسيولوجيا، من الضروري التنبيه إلى أن التعيين المكثف لهؤلاء الضباط في المناصب القيادية بعد إزاحة ضباط الثورة يخفي في واقع الأمر دوافع أخرى لم يذكرها بومدين أو بن جديد. كلاهما هدف إلى البحث عن ضباط لا يتمتعون بالشرعية الثورية التي يمكنها أن تشجعهم على العصيان أو التمرد. حدث ذلك مثلا مع بومدين أثناء المحاولة الانقلابية لقائد أركان الجيش الطاهر زبيري سنة 67 أو المواجهات التي حدثت بين بن جديد و العقيد عبد الله بلهوشات أو قاصدي مرباح …اعتقد الرئيسان أن هذه الفئة الضعيفة من “الضباط” ستكون طاعتها عمياء وولاءها مطلقا واستعدادها لنتفيذ الأوامر بلا حدود، فهي التي ستخلصهم من النزعة التمردية أو حتى الجدالية التي تميز أسلافهم. مثل هؤلاء الضباط كل من الجنرال خالد نزار، العربي بلخير، محمد العماري، محمد التواتي، توفيق مدين…أدارت مجموعة الضباط هذه “الأزمة الجزائرية” منذ سنة 1992 إلى اليوم. لكنها مضطرة في كل الأحوال إلى ترك مواقعها للجيل الثالث.
بعد عزل الجيل الثوري وتعويضه بالجيل “الفرنسي” لأسباب تقنية في ظاهرها سياسية في باطنها، تجد المؤسسة العسكرية نفسها اليوم مضطرة للتخلص من هؤلاء الآخرين لأسباب تقنية أيضا تتلخص في السن. فالعمل العسكري وظيفة، وكل وظيفة محدودة بسن للتقاعد وللانسحاب لترك المكان للجيل الشاب. فالقيادة الحالية لا يمكنها أن تستمر لأكثر من خمس سنوات على أقصى تقدير. فهي مضطرة للانسحاب، وقد سبق ان انسحب منها، أو أخرجت من صفوفها على الأصح، بعض الضباط النافذين وكان على رأسهم اللواء خالد نزار، العربي بلخير، غنايزية، محمد التواتي، عباس غزيل…جميعهم خرج بسبب الإحالة على التقاعد .

الضباط الشبان
” تكون هذا الجيل عسكريا في أكاديميات شرشال والجزائر وقام بتربصات في القاهرة، بغداد، وموسكو ثم منذ الثمانينات في فرنسا. لم يشارك في الثورة، لأن ضباطه كانوا أطفالا حينما استقلت الجزائر. لا يعتمد في ارتقائه العسكري على شرف الشرعية الثورية ولا على شرف الأقدمية وإنما يعتمد على كفاءته المهنية ومدى استيعابه للعلوم العسكرية وتفوقه فيها. هو جيل رياضي، غير مسيس، فالسياسة لا تهمه كثيرا ويعتبر أن وظيفته تكمن في الدفاع عن البلاد. لم يتورط في فساد الثمانينات الذي مس كبار القادة الذين احتكروا امتيازات التوريد، مصدر الثراء السريع. هذا الجيل أرهقته الحرب الدائرة ولا يستبعد أن يكون وراء محاولات الحوار والمصالحة حيث من الممكن أن يكون ضغط على القيادة الحالية في هذا الاتجاه، خصوصا أن قيادة الجيش الجزائري قيادة أفقية غير هرمية يشارك في اتخاذ قراراتها مجموعة كبيرة من الضباط وصل عددها ،على سبيل المثال، إلى 180 ضابطا حينما قرروا إرغام الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد على الاستقالة” .

القيادة الجماعية للجيش Collegial Commandment
إن ما يميز أسلوب قيادة الجيش الجزائري هو القرار الجماعي. حيث يلتقي عادة الضباط الكبار، يتناقشون ويتخاصمون ويعرضون وجهات نظرهم المختلفة وينهون اجتماعاتهم بالتصويت على أن يلتزموا بما تم الاختيار عليه. لا يوجد ضابط واحد قاد الجيش الجزائري قيادة هرمية مطلقة. فهذا الجيش، لأسباب تاريخية، لم يتخلص بعد من القيادة الأفقية التى تحكم خياراته الكبرى. وهو ما يفسر غياب الانقلابات العسكرية. فقيادته غير منسجمة وتعكس توازنات جهوية، إثنية وثقافية والأهم من ذلك اختلاف وجهات النظر. خالد نزار(أصبح يطلق عليه في الجزائر لقب الجنرال المواطن أو الجنرال الصحفي) اعترف أخيرا في مقال له يرد فيه على بيان الرئيس اليمين زروال التحذيري بأنه لم يخرج من القيادة العسكرية بسبب المرض كما روج وإنما لأسباب سياسية سيرويها لاحقا حينما تسنح الفرصة. هذه حجة على أنه لم يكن قائد الجيش القوي كما اعتقد. نفس الشىء بالنسبة إلى قائد الأركان الحالي الجنرال محمد العماري الذي يبدو أن وجوده على القيادة يعكس التوازنات أكثر منه نفوذا حقيقيا علي الجيش. لا بد من فهم أن المؤسسة العسكرية الجزائرية مستقلة عن الأفراد. وقوتها تكمن في كونها المؤسسة التي أنشأت الدولة الجزائرية ووحدت مؤسساتها وضمنت بقاءها. هذه المؤسسة، مثلها مثل المجتمع نفسه، لا تقبل بزعيم مطلق يقودها بدون منازع” .
لكننا في المقابل من الممكن أن نتحدث عن هيمنة بعض الضباط على كامل المؤسسة. ما يمكن أن نسميهم بالجنرالات الأربعة. تكمن القوة الأساسية لهذا التحالف بين “الأربعة” في كونه يسيطر سيطرة كاملة على قيادة الجيش العملياتية.
أشهر هؤلاء الجنرالات على الإطلاق هو محمد مدين.

الجنرال محمد مدين
الجنرال محمد مدين وكنيته “سي توفيق” من عائلة قبايلية سكنت في الشرق الجزائري. لم يتخرج من وزارة الارتباطات والاتصالات والتسليح مثل معظم رفاقه الذي تولوا مسؤوليات في جهاز الأمن العسكري. إنه ينتمي إلى دفعة “السجاد الأحمر” التي أرسلتها الثورة إلى الاتحاد السوفياتي لتحصل على خبراتها في مدرسة الكا جي بي. تكوينه الاستخباراتي إذن هو تكوين على الطريقة السوفياتية البحتة. وهو ما سينعكس في أسلوبه في العمل.
عمل في بداية حياته العسكرية برتبة ملازم في الناحية العسكرية الثانية تحت قيادة العقيد الشاذلي بن جديد. عمله كضابط أمن عسكري كان هاما باعتباره يعمل على الحدود المغربية المتوترة دائما مع الجزائر. وهناك تعرف على ميل له برتبة رائد سرعان ما أصبح صديقه. لقد تعرف على العربي بلخير، قائد هيئة أركان الناحية العسكرية الثانية.
وعندما أوكلت قيادة الأمن العسكري لمحجوب لكحل عياط، لم يتلاطف معه هذا الأخير فأبعده عن الجهاز وأرسله كملحق عسكري في طرابلس سنة 1983. وعندما عاد إلى الجزائر كلف لبضع الوقت رئيسا للإدارة المركزية للهندسة العسكرية. سنة 1986 أصبح رئيسا لقسم الدفاع والأمن برئاسة الجمهورية. وفي نفس الوقت كان العربي بالخير يشغل موقع مدير ديوان الرئيس الشاذلي بن جديد. وعندما تم إنشاء الوكالة العسكرية للوقاية والأمن D.G.P.S.في شهر مايو / أيار 1987، أصبح فيها مديرا لأمن الجيش SA ، الشرطة السياسية للجيش الوطني الشعبي. وعندما تم حل هذه الأخيرة على إثر أحداث أكتوبر 1988، تم إنشاء جهاز جديد اسمه وكالة الاستخبارات والأمن DRS حيث عهد إليه بقيادته منذ ذلك التاريخ إلى اليوم.
بدأ نجمه في السطوع عمليا منذ إجبار الشاذلي بن جديد على الاستقالة في شهر يناير 1992 والصدام العنيف الذي حدث مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ. حيث أصبح رئيسا فعلا لأجهزة الأمن الداخلي، التجسس الخارجي، وأمن الجيش. سي توفيق لا يحب الظهور في الأماكن العامة وبخاصة في وسائل الإعلام المحلية أو الدولية التي لا تعرف حتى صورته. يحب تدخين السجار الكوبي الفاخر. يعد الرجل الأول الذي أدار الصراع داخل السلطة أو ضد الإسلاميين طيلة العقد الأخير. من بعض خصاله الوفاء. حيث حمى الشاذلي بن جديد بعد أن استقال ورغم أن أعداء الرئيس السابق الذين أرادوا تصفية حسابهم معه عندما سقط، كثيرون، فمحمد مدين لم يسمح بذلك. حتى الرئيس بوتفليقة الذي يكن ثأرا شخصيا لبن جديد الذي حرمه من الرئاسة ذات يوم. بوتفليقة هاجم بن جديد في البداية لكنه سرعان ما توقف والعارفون بأمور الجزائر يقولون أن محمد مدين أفهمه أن بن جديد في حمايته. كذلك لم يخدع مدني مزراق، قائد الجيش الإسلامي للإنقاذ حيث طبق الاتفاق الذي تم بينهما بحذافيره دون مراوغة. هو الرجل الأقوى اليوم في الجزائر. فقد تمكنت أجهزته من اختراق الجميع. الأحزاب المعارضة ووسائل الإعلام، وحتى الجماعات الإسلامية المسلحة. مساعده الأول اسماعيل العماري.

الجنرال اسماعيل العماري
ولد إسماعيل العماري بمنطقة “الحراش” في ضواحي الجزائر العاصمة. تدرب وعمل وارتقى في قسم العمليات داخل جهاز الأمن العسكري، ثم إدارة الاستخبارات والأمن الحالية. يرأس منذ سنة 1992 إدارة الأمن الداخلي DSI وهو مختص في إدارة الصراع مع الإسلاميين وفي عمليات مكافحة التجسس. أهم عمل قام به على الإطلاق يتمثل في اختراقه للجماعات الإسلامية المسلحة في الداخل والخارج ثم في إبرام اتفاق الهدنة مع مدني مزراق التي انتهت إلى حل تنظيم الجيش الإسلامي للإنقاذ. وهو يعد رجلا يجمع بين صفتي الاستخبارات والعمليات في الآن نفسه. كما تميز بعلاقاته المتطورة مع الاستخبارات الفرنسية حيث تربطه برئيسها الجنرال فيليب روندو علاقات خاصة. كما تولى إسماعيل العماري ملفات الجماعة الإسلامية المسلحة والإسلاميين المنفيين في أروبا.

الجنرال محمد العماري
هو قائد هيئة الأركان. إذ تقع تحت إمرته المباشرة فرق التدخل العسكري المشتركة المكلفة بمحاربة الإرهاب. يستفيد من عدة عوامل ساعدته على ترسيخ مواقعه وإحكامه القبضة على تطور الصراع. أصله من منطقة القبايل. يبلغ عمره حاليا حوالي 60 سنة. يعد من “ضباط الجيش الفرنسي” الذين عملوا قبل ثورة نوفمبر/تشرين الثاني 1954 في الجيش الفرنسي. ثم التحق بالجيش الوطني الشعبي الجزائري بعد الاستقلال. ارتقى بسرعة في السلم العسكري في عهد الشاذلي بن جديد. عمل قائدا للوحدات الخاصة قبل ترقيته ليصبح قائدا لهيئة الأركان. يتميز بمعاداته الشديدة للجبهة الإسلامية ومن يلف في دائرتها كما يتميز بحرصه الشديد على وحدة المؤسسة العسكرية. كتب في شهر أكتوبر/تشرين الأول 1997 مقالا في مجلة “الجيش” الجزائرية ينفي فيه بحدة “الإشاعات التي تدور حول انقسام الجيش” وأبدى رفضه الكامل للتصنيفات التي تميز بين الضباط فتقسمهم إلى “محاورين واستئصاليين، إسلاميين ولائكيين”. تكمن قوته في وجوده في هرم القيادة العسكرية العملياتية، أي تلك التي تتحكم في تحرك القوات اليومي. يعتبر شريف فضيل قائد الوحدات العاملة ضد الإرهاب ذراعه الأيمن. أما الجنرال محمد مدين، المكنى، بسي توفيق، وقائد إدارة الأمن والإرشاد ما كان يعرف سابقا بالأمن العسكري (Direction des Renseignements et de Sécurité) فيمثل بمفرده ومن خلال جهازه النافذ كتلة مستقلة بذاتها. تم إزاحته مؤخرا من قبل عبد العزيز بوتفليقة متحالفا مع الجنرال محمد مدين وترك مكانه للجنرال قايد أحمد صالح. وهو ما يعد أكبر تجول جذري شهدته المؤسسة العسكرية منذ اندلاع أزمة 1991. وهو ما يؤكد نظرية بدء الجيل الشاب في استيلام مقاليد الجيش.

الجنرال شريف فوضيل
إذا كان اسم إسماعيل العماري قد ارتبط باسم الجنرال توفيق، فإن اسم شريف فوضيل قد ارتبط عضويا باسم الجنرال محمد العماري. وهو اليوم يتولى منصبا جديدا : قائد الناحية العسكرية الأولى بعد أن كان رئيسا لدائرة الاستعمال والتحضير لأركان الجيش (الذراع الأيمن للواء محمد العماري)، حيث خلفه في موقعه السابق الجنرال محمد بعزيز. يعد واحد من مهندسي الهدنة مع مدني مزراق قائد الجيش الإسلامي للإنقاذ المنحل. حيث أبرم معه آخر اتفاق تم بموجبه تفكيك التنظيم.
نجح هؤلاء الجنرالات الأربعة في فرض مجموعة من التحويرات على المؤسسة العسكرية لصالح نفوذهم.

تغييرات في الجيش
عاشت المؤسسة العسكرية تغييرات كبيرة. في البداية يجب استبعاد فرضية أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة هو الذي رغب في إحداث مثل هذه التغييرات، ورغم كونه قائدا عاما للقوات المسلحة الجزائرية، فإن اتفاقا ضمنيا غير معلن يبدو أنه قد حصل بينه وبين قيادة الأركان والأمن العسكري على أن لا يتدخل في توازنات الجيش الجزائري المعقدة وصراعاته الداخلية لتترك للقادة العسكريين أنفسهم في إطار آلية “الوحدة/الصراع” التي ميزت مؤسستهم. فهذه التغييرات تبدو للوهلة الأولى من صنع التحالف الذي انتصر على جناح الرئيس السابق اليمين زروال. فبعد استقالة الرئيس جاء دور تصفية الإرث. وهو ما برز في حدث التغييرات نفسه.
يتمثل الحدث في إحداث التغييرات التالية:
أولا، إبعاد القادة العسكريين الذين رقوا أو عينوا في عهد اليمين زروال، وعلى رأسهم اللواء الطيب الدراجي، قائد الدرك الوطني، واللواء رابح بوغابة، مسؤول الناحية العسكرية الأولى، واللواء شعبان غضبان قائد القوات البحرية..
ثانيا، إعادة الاعتبار للقادة العسكريين الذين أبعدهم زروال وتعيينهم في مناصب هامة. ويتعلق الأمر خاصة بتعيين اللواء سعيد باي في منصب قائد الناحية العسكرية الخامسة، بعد أن أبعده زروال من المؤسسة العسكرية في شهر سبتمبر /أيلول 1997 بسبب اتساع رقعة المجازر الإرهابية.
ثالثا، تقوية تحالف “قيادة الأركان/الأمن العسكري”، بفرض عناصرهم في المناصب الهامة، بعد استبعاد حلفاء الرئيس السابق اليمين زروال. فتم تعيين كل من اللواء أحسن طافر قائدا للناحية العسكرية الثالثة خلفا للواء زوبير غدايدية، واللواء سعيد باي قائدا للناحية العسكرية الخامسة خلفا للعميد علي جمعي، وتم تعيين اللواء براهم بلقردوح قائدا للناحية العسكرية السادسة خلفا للواء بلقاسم قادري، وتم تعيين العميد أحمد بوسطيلة قائدا للدرك الوطني خلفا للواء الطيب الدراجي، كما تم تعيين العميد ابراهيم دادسي قائدا للقوات البحرية خلفا للواء شعبان غضبان، والعميد علي جمعي قائدا للحرس الجمهوري خلفا للواء مخلوف ديب، والعميد محمد بعزيز رئيسا لدائرة الاستعمال والتحضير لأركان الجيش خلفا للواء شريف فضيل (الذراع الأيمن للواء محمد العماري) الذي تول منصبا جديدا وهو منصب قائد الناحية العسكرية الأولى، كما تم تعيين العميد عبد العزيز مجاهد رئيسا لأركان القوات البرية خلفا للواء أحسن طافر، والعميد محمد شيباني قائدا للأكاديمية العسكرية لمختلف الأسلحة بشرشال خلفا للعميد عبد العزيز مجاهد.
رابعا، تشبيب الجيش، أي إعطاء مناصب هامة لقادة عسكريين ينتمون إلى الجيل الثالث، أي جيل الشباب الذي تكون في مرحلة الاستقلال ولم يشارك في حرب التحرير ولم ينتم إلى الجيش الفرنسي. حيث تم تعيين عقداء في مناصب قيادية هامة كان يشغلها قادة الجيل الأول أصحاب رتب العميد. فتم تعيين العقيد حسان جبوري بصفته قائدا للفرقة المدرعة الأولى خلفا للعميد محمد شيباني، كما تم تعيين العقيد عبد القادر العايب مديرا مركزيا للمنشآت العسكرية خلفا للعقيد عبد الحميد صوفي، وتم تعيين العقيد محمد بن عزيزة رئيسا لأركان الدرك الوطني خلفا للعميد لخضر عتيق، وتم تعيين العقيد محند الطاهر يعلى رئيسا لأركان القوات البحرية خلفا للعميد ابراهيم دادسي، وتم تعيين العقيد عبد الكريم بودشيش رئيسا لأركان الحرس الجمهوري خلفا للعقيد حسان بوعبيد، وتم تعيين العقيد محمد بورغم رئيسا لأركان الناحية العسكرية الثانية خلفا للعميد محمد بعزيز.

الوحدة والصراع
إن قوة هذه الشخصيات لا تكمن في ذواتها كأفراد وإنما في مواقعها داخل الأجهزة. وهي تتميز عن التكتلات السياسية الأخرى بتضامنها القوي الذي ينقذها من التمزق ويجعل صراعاتها الداخلية مسألة ثانوية حينما يتعلق الأمر بمواجهة صراع خارجي. إن رهان هذه المجموعة يعتمد على محافظتها على سيطرة شبه كاملة على مؤسسة الرئاسة والحكومة المدنيتين. ففي الواقع لا تعد معاداتها للرئيس زروال معاداة شخصية فقط لمجرد أنه اليمين زروال الذي حارب الاستعمار أثناء الثورة أو لأنه من مدينة باتنة…إن لقيادة الجيش هدفا آخر يتمثل في كونها تريد أن تحد من تأثير مؤسسة الرئاسة وتجعل من نفسها القوة الحاسمة في سياسة الجزائر الداخلية أو حتى الخارجية. لقد برهنت تاريخيا، وبقطع النظر عن من يوجد على رأسها، على تفوقها على رئاسة الدولة. فهي أزاحت الرئيس الأول أحمد بن بلا، ثم الرئيس الثالث الشاذلي بن جديد. يبقى اغتيال محمد بوضياف عملية مخابراتية غامضة لا يمكن التكهن بدقة عن هوية مرتكبيها. والرئيس الخامس علي كافي. وتمكنت أخيرا من دفع الرئيس اليمين زروال إلى الاستقالة والدعوة إلى انتخابات رئاسية جديدة. حدث استثناء وحيد مع الرئيس الراحل هواري بومدين. سببه أنه جمع بقوة وفي يد واحدة بين رئاسة الجمهورية وقيادة الجيش.
لكن المشكل مع عبد العزيز بوتفليقة يكمن في كونه ليس رجلا سهلا يقبل أن يكون مجرد ديكور في المشهد الجزائري. فشخصيته قوية وتجربته السياسية طويلة وخبرته متميزة وطموحه جارف…وصدامه مع قيادة الأركان مسألة وقت.

ب- وحدة داخلية وتضامن فعال
لقد تمكن الجيش الجزائري من المحافظة على وحدته. وأثبت من خلال تجربة صراعه مع الحركة الاسلامية انه مؤسسة مستقلة بذاتها، فهو باستثناء بومدين لا يخضع الي أي فرد ولا الي أي ضابط معين. إنه أزاح مثلا زروال وأعاده فيما بعد علي رأس الدولة ثم أزاحه مرة أخرى. كما أبعد البعض ورقي البعض الاخر، وفي كل الاحوال بقي مؤسسة متماسكة لم تعد سيناريو الجيش الامبراطوري الايراني الذي انفرط عقده بمجرد ابتعاد الشاه عنه. يجب الانتباه إلى ملاحظتين حاسمتين في صيرورة المؤسسة العسكرية. تتمثل الملاحظة الأولى في عدم وجود اختراق أمني مخابراتي يذكر للحركة الإسلامية لهذا الجيش. فقد بقي مستقلا عن هذا التيار وتمكنت أقوى أجهزته على الإطلاق، أي “الأمن العسكري” من حمايته من عمليات التفكك وبالتالي الانهيار. فشلت الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الدخول إليه واكتساب أنصار فيه كما حدث مع الجيش السوداني الذي اخترقته الجبهة القومية الإسلامية بقيادة حسن الترابي ونجحت في القيام بانقلاب عسكري استلمت فيه السلطة مشاركة مع الفريق عمر حسن البشير. أما الملاحظة الثانية فترتكز على ظاهرة قلة عدد الفارين من الجيش الجزائري، أو الذين تمردوا على أوامر قيادته. لقد بقي في المجمل جيشا متماسكا، اكتسب عبر الزمن نوعا من “العصبية” بالمفهوم الخلدوني، ضد الحركة الإسلامية .
إن وحدة المؤسسة العسكرية الجزائرية وعدم خيانتها أو حيادها تجاه الصراع القائم يعودان إلى مجموعة عوامل تاريخية ومادية.

العوامل التاريخية
يقول فؤاد الخوري “أن يصبح العسكر موضع اعتزاز وشرف قوميين، فهذا يجعل من المجندين في صفوفه، وخاصة الضباط المثقفين، ينظرون نظرة خاصة إلى أنفسهم والدور الذي قد يلعبونه في المجتمع. هذا التصور عن الذات يجعل من الضباط ينظرون إلى الساسة التقليديين نظرة اللامبالاة، بل الازدراء” . لقد نجح الجيش الجزائري منذ أيام حرب التحرير في اكتساب “عصبية” خاصة به ضد كل السياسيين والمدنيين الذين لا ينتمون إليه. إذ تمكن الرئيس الراحل هواري بومدين من غرس هذه العصبية، حيث كان يقول باستمرار لجنوده وضباطه ” يجب علينا (العسكر) أن نكون مثل صفيحة من الحديد”. وكان يشجع ضباط هيئة الأركان ويطالبهم بضرورة المحافظة على روح الواجب، وعلى الانضباط، وعلى التضامن فيما بينهم في مواجهات حيل السياسيين..

العوامل المادية
لا بد من الإقرار أيضا، أن الجيش الجزائري يتمتع بامتيازات مالية، اقتصادية واجتماعية استثنائية في المجتمع. فعلى سبيل المثال، بلغت النفقات العسكرية في الجزائر 36 دولارا للفرد الواحد مقابل 28 دولارا واحدا للفرد في المملكة المغربية. أما ميزانية الدفاع الجزائرية فهي الأكبر في منطقة المغرب العربي، حيث بلغت 971 مليون دولارا سنة 1991 مقابل 323 مليون دولارا في تونس و730 ملون دولارا في المغرب . وهو ربما يكون السبب الذي دفع عالم الاجتماع الجزائري لهواري عدي إلى القول “لا يرغب الجيش الجزائري في تغيير فجئي وعنيف للنظام السياسي، لأن مثل هذا التغيير سيعرض قيادته، وخاصة ضباطه الكبار، إلى تتبعات عدلية وتصفية حسابات” .

في خاتمة هذا الفصل سيكون من المفيد التأكيد مرة أخرى على أن إشكالية الجيش الجزائري في علاقته بالمجتمع والدولة لا يجب أن تتناول فقط في إطار من يقود هذه المؤسسة. وهو ما حاولت الجبهة الإسلامية للإنقاذ القيام به حينما رغبت في الإيحاء بأن سبب الأزمة يعود إلى تواجد “ضباط الجيش الفرنسي” على رأس قيادته. إننا نعتقد أن دور هذه المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية أعمق من ذلك بكثير. لقد نشأت علاقة معقدة بين هذا الجيش والسياسة منذ اندلاع الثورة التحريرية سنة 1954. وهو ما حاولنا إبرازه بالعودة إلى جذور هذه المؤسسة. كان يبدو صعبا أن يتخلى الجيش الجزائري عن “دولته” لأي طرف كان، إسلاميا أو حتى لائكيا، بل حتى لصالح جبهة التحرير الوطني نفسها، ذلك الحزب الذي مثل الستار الذي حكم من ورائه طويلا. بين هذا الأمر محمد حربي أحد كبار مؤرخي الثورة الجزائرية حينما كتب منذ زمن “إن الحياة السياسية والانقسامات الداخلية ليسا إفرازا لحركة سياسية، ولكنهما نتاجا لإدارة ولجيش../..ذلك أن سلطة القرار كانت بين أيدي القادة العسكريين. في النهاية اندمج مركز القرار بجهاز. ومن ثمة فإن مستوى قوة الجهاز هو الذي يحدد قوة قائده وليس العكس” . لم يكن بالتالي من الممكن للجيش الجزائري أن يبقى محايدا أو حتى “يخون” دولته لصالح الحركة الإسلامية القوية التي أرادت أن تحكم الجزائر. وحتى صراعاته الداخلية الحالية لا تدور حول مواصلة الهيمنة على الدولة أو إنهاء هذه الهيمنة، وإنما تتمحور حول درجة الانفتاح على الجبهة الإسلامية للإنقاذ أو الانغلاق التام في وجهها. إن الأمر يتعلق بمؤسسة تعودت على حياة “الوحدة/الصراع”. بقدر ما تتصارع داخليا وتتناقض تطلعات ضباطها، بقدر ما تتحد في وجه الخصوم الخارجيين.


سوسيولوجيا الجيش الجزائري ومخاطر التفكك، رياض الصيداوي – شؤون الأوسط، عدد آذار / مارس 2000.

عن CARAPS

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

48??8?